أبو حامد الغزالي

204

تهافت الفلاسفة

مسألة في تعجيزهم عن إقامة الدليل على أن السماء حيوان مطيع للّه تعالى بحركته الدورية وقد قالوا : إن السماء حيوان ، وإن لها نفسا ، نسبتها إلى بدن السماء ، كنسبة نفوسنا إلى أبداننا ، وكما أن أبداننا تتحرك بالإرادة ، نحو أغراضها ، بتحريك النفس ، فكذا السماوات ، وإن غرض السماوات بحركتها الدورية ، عبادة رب العالمين ، على وجه سنذكره . ومذهبهم في هذه المسألة ، مما لا ينكر إمكانه ، ولا يدعى استحالته ، فإن اللّه تعالى قادر على أن يخلق الحياة في كل جسم ، فلا كبر الجسم يمنع من كونه حيا ، ولا كونه مستديرا ، فإن الشكل المخصوص ، ليس شرطا للحياة ، إذ الحيوانات ، مع اختلاف أشكالها ، مشتركة في قبول الحياة . ولكنا ندعى عجزهم ، عن معرفة ذلك بدليل العقل ، فإن هذا إن كان صحيحا ، فلا يطلع عليه إلا الأنبياء - صلوات اللّه عليهم - بإلهام من اللّه تعالى ، أو بوحي ، وقياس العقل ليس يدل عليه . نعم لا يبعد أن يعرف مثل ذلك بدليل ، إن وجد الدليل وساعد ، ولكنا نقول : ما أوردوه دليلا ، لا يصلح إلا لإفادة ظن ، فأما أن يفيد قطعا فلا . وخبالهم فيه أن قالوا : إن السماء متحركة - وهذه مقدمة حسية - وكل جسم متحرك ، فله محرك ، - وهذه مقدمة عقلية - إذ لو كان الجسم يتحرك ، لكونه جسما ، لكان كل جسم متحركا . وكل محرك ، فإما أن يكون منبعثا ، عن ذات المتحرك ، كالطبيعة في